ابن كثير
213
البداية والنهاية
قال فأجبته : بلى نحن كنا أهلها فأبادنا * صروف الليالي والجدود العواثر قال ثمامة : فلما كانت الليلة القابلة قتله الرشيد ونصب رأسه على الجسر ثم خرج الرشيد فنظر إليه فتأمله ثم أنشأ يقول : تقاضاك دهرك ما أسلفا * وكدر عيشك بعد الصفا فلا تعجبن فإن الزمان * رهين بتفريق ما ألفا قال : فنظرت إلى جعفر وقلت : أما لئن أصبحت اليوم آية فلقد كنت في الكرم والجود غاية ، قال : فنظر إلي كأنه جمل صؤول ثم أنشأ يقول : - ما يعجب العالم من جعفر * ما عاينوه فبنا كانا من جعفر أو من أبوه ومن * كانت بنو برمك لولانا ثم حول وجه فرسه وانصرف ( 1 ) . وقد كان مقتل جعفر ليلة السبت مستهل صفر من سنة سبع وثمانين ومائة ، وكان عمره سبعا وثلاثين سنة ، ومكث وزيرا سبع عشرة سنة . وقد دخلت عبادة أم جعفر على أناس في يوم عيد أضحى تستمنحهم جلد كبش تدفأ به ، فسألوها عن ما كانت فيه من النعمة فقالت : لقد أصبحت في مثل هذا اليوم وإن على رأسي أربعمائة وصيفة ، وأقول إن ابني جعفرا عاق لي . وروى الخطيب البغدادي باسناده أن سفيان بن عيينة لما بلغه قتل الرشيد جعفرا وما أحل بالبرامكة ، استقبل القبلة وقال : اللهم إن جعفرا كان قد كفاني مؤنة الدنيا فاكفه مؤنة الآخرة . حكاية غريبة ذكر ابن الجوزي في المنتظم أن المأمون بلغه أن رجلا يأتي كل يوم إلى قبور البرامكة فيبكي عليهم ويندبهم ، فبعث من جاء به فدخل عليه وقد يئس من الحياة ، فقال له : ويحك ! ما يحملك على صنيعك هذا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إنهم أسدوا إلي معروفا وخيرا كثيرا . فقال : وما الذي أسدوه إليك ؟ فقال : أنا المنذر بن المغيرة من أهل دمشق ، كنت بدمشق في نعمة عظيمة واسعة ، فزالت عني حتى أفضى بي الحال إلى أن بعت داري ، ثم لم يبق لي شئ ، فأشار بعض أصحابي علي بقصد البرامكة ببغداد ، فأتيت أهلي وتحملت بعيالي ، فأتيت بغداد ومعي نيف وعشرون امرأة
--> ( 1 ) الرواية في وفيات الأعيان 1 / 339 والعقد الفريد 1 / 22 وذكر أن صاحب الرواية هو يحيى بن خالد .